الأبحاث الكمية quantitative، الهدف منها هي مقارنة شيئان، مثلا أ اكثر او أقل من ب.
و لكن بعض الأشياء لا نستطيع ان نقوم بمقارنات. مثلا العلوم الإجتماعية. مثل نظرية دوركهيم في درجة الإندماج في المجتمع degree of integration in a society.
تخيل وضعت العديد من المتغيرات، ثم جمعتها لتاتي بنتيجة. و لكن المشكلة ان هذه المتيغرات تختلف في النوع، فكيف تجمعها مع بعضها البعض؟
يعني كيف تقوم بتصنيف؟
و لكن الهدف من هذا النوع ليس ان تعلم كمية الشيء، بل صفاتها.
و لكن بامكاننا ان نصنفها بتصنيف اسمي nominal، اي الفئات. فانت تصنف البيانات على فئات.
و الهدف الآخر هو ان هذا النوع من الأبحاث ان تعرف معنى او اهمية لعمل معين. يعني ان الأمور التي تدرسها تكون متعمدة intentionality.
فالأفعال الإنسانية لها غاية و متعمدة، و هي مبنية على ظاهرة عقلية mental. و هذه يمكن تحليلها الى:
١- الفعل act
٢- محتوى content
فحينما زيد يقول، "اتمنى ان يكون يكون هذا الصيف جميل"
فالفعل هو التمني، و محتواها هو ان يكون الصيف جميل.
في العالم الإجتماعي فإن افعال البشر لها غاية و متعمدة، و لها معنا.
فمثلا عندك حجرة مزخرفة، ستقول انسان فعلها، و تبدأ بالجواب على سؤال "ما الهدف من فعلها؟"
فهنا علينا ان نفرق بين معنيين
١- الشخصي subjective اي ان هذه الحجرة وضعها الله و سخرها لكي ياتي شخص و ينحتها لسبب ما. يعني هنا المعنى ينشأ من نظرة الإنسان لا ان هذا المعنى موضوعي، بل هذه الحكمة و ان كان خالقها الله الا انها لم تتجلى في لحظة خلق الخجرة بل تحلت حال نحتها
٢- الموضوعي، ان هذه الحجرة سواء تم نحتها ام لا فهي لها معنا و حكمة، فلهذا خلقها الله، و هذه الحكمة الوجودية موجودة حال وجود الحجرة، يعني ان لها فائدة وجودية حال خلقها، لا انه تصبح لها حكمة فقط حينما نحتها الإنسان.
امر آخر و هو ان بعض الأشياء تكتسب معناها من الإتفاقية convention، مثل الأموال، فمثلا الورقة المكتوب عليها ٢٠، سنتفق ان لها معنا، و هو انها تعني ٢٠ دينارا. فلست الطباعة ما تعطي المعنى بل الإتفاق الجماعي collective agreement.
و هذا ايضا كما في تفصيلنا فوق، هو معنى مستحدث بعد وجود الورقة، يعني احدى معاني الورقة لا الوحيد.
و قس هذا المثال في العلم على الإلكترونات مثلا. من وجهة نظر منهجية ، تلعب هذه النوايا الجماعية دورًا مشابهًا لدور الإلكترونات في الفيزياء. لا يمكننا مراقبة الإلكترونات أو النوايا بشكل مباشر حتى الآن ، فلدينا أسباب وجيهة للاعتقاد بوجود كليهما. إذا افترضنا ، على سبيل المثال ، أن الإلكترونات غير موجودة ، فسيكون من المستحيل تقريبًا تفسير أو فهم عدد كبير من الظواهر التي يمكن ملاحظتها. وبالمثل ، من المنطقي افتراض وجود نوايا جماعية كعناصر مكوّنة للمؤسسات الاجتماعية ، لأن هذا الافتراض يسمح لنا بفهم العديد من جوانب السلوك الاجتماعي البشري. وبالتالي من المعقول أن نقول إن المعنى الذي تمتلكه المؤسسات الاجتماعية ، أي النوايا الجماعية التي تقف وراءها ، موجود اقعيا ويمكن ملاحظة آثارهما.
يعني الهدف من هذا الكلام ان المعاني موجودة انطولوجيا (اي ان لها اسباب واقعية و آثار واقعية) و يمكننا معرفتها و لكنها لن توجد بدون وجودنا. فهي معرفيا موضوعية، و انطولوجيا شخصية لانها لن توجد بدوننا.
نظرًا لأن الافتراضات المتعلقة بهذه الظواهر صحيحة أو خاطئة من الناحية الموضوعية ، فمن الممكن ، من حيث المبدأ ، تحليلها ، وبالتالي إصدار بيانات موضوعية عنها.
الآن سنتكلم عن بعض الأمثلة في العلوم ال qualitative.
نبدا بالتأويل hermeneutics لفهم افعال البشر و المجتمعات.
و هذا لا بد له من تفسيرات interpretations و لكن لا توجد عملية تفسيرية تبدأ "من الصفر". بدلاً من ذلك ، نقترب دائمًا من المجهول ببعض الأفكار المسبقة preconceptions.
وهكذا في عملية التفسير ، يبدأ المرء بمفهوم أولي للكل ثم يستخدم هذا لإثراء دراسة أكثر تفصيلاً للأجزاء. هذه الدراسة التفصيلية للأجزاء تعمل على إثراء إعادة تقييم الكل ، والتي تعمل بعد ذلك على توجيه عملية إعادة تقييم وتعميق دراسة الأجزاء ، وما إلى ذلك. يشار إلى هذا التحول في التركيز من تفسير الكل إلى دراسة الأجزاء المختلفة والعودة مرة أخرى على أنه دائرة التأويل hermeneutic circle. تتوقف هذه الدائرة عندما تبلغ عملية التفسير درجة كافية من التماسك بين تفسير الأجزاء والكل.
و لكن على المؤولين ان يضعوا تصنيفات. يجب على المؤول ان يضع حدا للظواهر التي لها معنا لاجل دراسته.
فسر سيغموند فرويد شلل الذراع أو الساق دون أي سبب فسيولوجي واضح على أنه اضطراب هستيري. اعتبر فرويد هذا النوع من المرض بمثابة رد فعل غير واعٍ للصراعات فيما يتعلق ببعض المواقف الاجتماعية التي لا تطاق. نظرًا لأن مرضاه كانوا في الغالب من نساء الطبقة العليا ، فقد اعتقد أن هذه الأعراض هي مظاهر مناشدة اللاوعي للانتباه. في عام 1900 ، كانت نساء الطبقة العليا في فيينا ، حيث عاش فرويد ، مقيدة بأسلوب حياة ثابت. كان هدفهم الوحيد هو إنتاج ورثة لأزواجهن والعمل كزخرفة في المواقف الاجتماعية ، والتي لم تترك مجالًا كبيرًا للأهداف والمتطلبات الشخصية. وهكذا ، سمع فرويد صرخة طلبًا للمساعدة: اهتم بي ، أنا مهم ، يجب أن آخذ على محمل الجد! وهكذا كان المرض الهستيري وسيلة لجذب الانتباه ، وبالنظر إلى أن فرويد تعامل مع مثل هذه الحالات على أنها ظواهر ذات معنى ، فقد تطلب تفسيرها. وفقًا للدراسات الفسيولوجية الحديثة ، فإن الأمراض الهستيرية هي في الواقع إصابات في مركز المهارات الحركية للدماغ ، والذي يتحكم في وظيفة الأطراف. يبدو أن هذا يدحض نظرية فرويد ، لكن هل هذا صحيح؟ هل يمكن أن تكون المواقف الاجتماعية التي وجدت النساء المصابات أنفسهن فيها هي سبب إصابات الدماغ؟ يتطرق هذا الخلاف إلى السؤال الأساسي حول ما إذا كانت هذه الأمراض لها معنى أم لا ؛ وبالتالي أيضًا على السؤال حول ما إذا كان ينبغي للمرء أن يعتبر علم النفس كعلم بشري أو علم طبيعي أم لا.
يعني قرويد فسرها على انه تصنع من النساء سبب اللاوعي و العلم ااحديث انه يوجد خلل في الدماغ مما ادى لهذا السلوك.
فكما ترى كل شخص صنف المرض بتصنيف مختلف بناء على مسلماتهم السابقة. ففرويد يؤمن باللاوعي الذي هو ليس مجالا للدراسة الطبيعية الحديثة، و اما علماء العصر الذين يؤمنون ان كل شيء مادي، اذن لا بد ان يكون السبب مادي بحت.
وبالتالي ، فإن التصنيف الأول الذي يصنعه التفسير (اللاوعي ام المادي) هو تحديد ما يمكن أن يكون موضوعًا للتفسير (الخلايا العصبية ام السلوكيات، يعني الأولى موضوع للتفسير بالنسبة للعلماء الحديثين التي منها سيفهمون سبب المرض المادي، و الثانية لفرويد التي منها سيفهم اللاوعي).
يعني ان التصنيف يكون الى اي مدى تريد ان تسأل و تخوض في معاني الأفعال التي تراها تعبر عن المرض. و من خلال تفسيرك لهذه السلوك و اسئلتك حولها ستبني حولها تصنيفا يجعلها مسببة من اللاوعي ام من الأعصاب.
يعني انت تبدأ بالاوعي او الأعصاب ثم ترى السلوك فتبدأ بالتفسيرات و الأسئلة و تؤولها لتكون متناسقة مع اللاوعي ام الأعصاب.
المثال الثاني في شأن العلم ال qualitative.
Grounded theory
القائلة ان التفاعلات الإجتماعية هي تبادل في الرموز ذات المعنى.
فلهذا اي نظرية يجب ان تبدأ بجمع البيانات الإمبريقية. بعد قيامنا بذلك نعالج هذه البيانات من خلال طريقة التشفير، و الذي بدوره يؤدي لعدة فئات.
هذه النظرة تبين كيف انه بامكاننا ان نصنف البيانات الى فئات بدون اللجوء لنظرية علمية. فالهدف من هذه النظرة هو فهم المعاني التي يعطيها الناس لمختلف الظواهر، لهذا فان هذا التصنيف يتم القيام به فيما يتعلق بالمقاصد intentionalities.
يعني حينما تبصر شيئا فهو يكون لغاية معينة، فلهذا حينما ترصد الظواهر و تؤيدها كبيانات، فان مشاهداتك تتأثر بفرضياتك السابقة.
اذا كانت مشاهدة مباشرة، فأنت ستقول انها واقعية لانك تؤمن فطرة ان الله خلق لك حواس لتبصر بها الواقع و ما هو امامك.
و اما اذا كانت مشاهدات لاشياء مغيبة جزئيا فإن فرضياتك السابقة و تشبيهاتك ستؤثر على تأويلاتك.
فسؤال الفلاسفة اذا يوجد مشاهدات حيادية؟ غير متأثرة بنظريات؟
نقول حسب ما تعنوه بنظريات؟
هل البداهة عندكم نظرية؟ اذا نعم، فجوابنا على سؤالكم ايضا نعم و العكس صحيح.
يعني انن نفرق بين ما هو معلوم بالضرورة و ما هو نظري
و لكن الفلاسفة يجعلون كلاهما نظري، فلهذا لا بد ان نستفصل عن مرادهم.
فالهدف من هذا النوع من الأبحاث، qualitative هو تصنيف الأشياء بطرق مختلفة عما نصنفهم في يومنا العادي. يعني نصنف الصفة على انها من فئة جينات أ، و لكن في يومنا الطبيعي نصنفها على انها من فئة "الكسل".
السؤال الأهم، هل الطريقة الكمية quantitative افضل من النوعية qualitative.
الأولى هي قولك درجة الحرارة ٣٣، و اما الثانية قولك انه يوجد حر.
اذن الاولى ادق من الثانية. و لكن هل هذه الدقة دائما متاحة او مرغوب فيها؟
هل مفهوم مثل الدمقراطية يمكن وضعه في في حدود كمية؟
لا اظن ذلك. لان هذا المفهوم فيه العديد من العوامل. و في النهاية ستقول ان هذه الدولة الديمقراطية او غير ديموقراطية. اي فقط تصنيف نوعي. و لا نسمح لنا ان نقارن بمدى ديمقراطية الدولة المعينة بالنسبو لأخرى.
يبدو من المعقول أن نقول إن درجة الديمقراطية ليست كمية ، بل هي مقياس نوعي متعدد الأبعاد يعتمد أساسًا على الحكم. قد يؤدي تعيين أرقام للفئات ذات الصلة ثم تحديد الأوزان النسبية لكل فئة إلى تحديد هذا الحكم. ومع ذلك ، لا يوجد أساس موضوعي لكيفية اختيار هذه الأوزان النسبية.
العديد من الوضعيين يقولون انه لتكون معرفتك علميو يجب ان تتمكن من تحويل هذه المعرفة الى كمية بطريقة موضوعية. و لكن عن طريقة تحويل اشياء نوعية بالطبيعة الى كميات، فانت تخسر اساس المشاهدة او البيانات، الا و هو القصد و الغاية.
فالآن اصعب مشكلة في البحث النوعي، هو البحث عن المعنى المراد من الظاهرة.
شرط الادعاء بأن البيانات النوعية صحيحة أو خاطئة من الناحية الموضوعية هو أن الموضوع المعني موجود في الواقع ، ويفعل ذلك بشكل مستقل عن الملاحظة. وهكذا توصلنا إلى السؤال الأنطولوجي المركزي: هل لهذا المعنى ، وهو هدف كل بحث نوعي ، وجود مستقل؟
طبعا نحن نقول ان المعاني تاتي من حكمة الله، فهي مستقلة عنا و تحدث بفعلنا (الاولى تسمى brut fact و الثانية social fact).
يعني الله خلق الشجر، فلها عدة معاني و اهداف مستقلة عنا، و بعضها له علاقة بنا.
فليس للشيء معنا لوحده بل دئما يكون مرتبطا بحكمة الله التي لاجلها خلقه.
فلهذا نقول ان علم الإجتماع بامكانه ان يكتشف احدى هذه المعاني لاننا نقول ان الهدف او المعنى فهو من خلق الله و لحكمة.
و يوجد ايضا ما يسمى حقائق مؤسسية institutional fact، مثل المال، إذا لم تكن هناك نوايا جماعية لمعاملة أشياء معينة على أنها نقود ، فلن تكون هذه الأشياء نقودًا. اي هنا ااسياق هو الذي يحدد المعنى و لكن فقط من وجخة نظرنا، و اما بالنسبة لله فهو يعلم سابقا معنى هذه الاوراق و كيف سيصبح معناها، فهيأ الأسباب ليتبين هذا المعنى الذي يتجلى بأفعالنا.
طبعا كل هذه المعاني مخلوقة من قبل الله لان افعالنا و اراداتنا مخلوقة. و هذه كلها تكون لحكمة.
