النماذج السببية modality of causation



هنالك مذهب يوم القائل انه لا يوجد ضرورة في السببية، ان حصول السبب أ لا يستلزم حدوث الأثر بالضرورة. بالنسبة له السببية هي فقط علاقة بين حدثين يكون فيها ٣ صفات: 

١-الإقتران المستمر بين أ و ب

٢-الأولوية الزمانية، السبب قبل الأثر. 

٣-الجوار contiguity، ان أ يكون مجاورا مكانيا للأثر الذي يليه. 

فبالنسبة له من الخطأ ان نقول ان حينما نرى ان أ يسبب ب، هذا يعني ان أ أوجب ب. و يرى ان ضرورة السببية هي وهم حصلة بسبب تجربتنا. فهو تحداهم ان يبينوا له اي تجربة تثبت الضرورة في السببية. 

طبعا هذا لانه كان على منهج الإمبريقيين، و الا فمفهوم السببية هو مفهوم عقلي ضروري لا نحتاج للتجربة لنبرهنه. و ترى الخلط عند هيوم بين السببية الخاصة و العامة. فالأولى ان الشيء المحدد يسبب الأثر المحدد، و الثانية هو ان لا بد لكن أثر من مسبب حتى لو جهلناه. و لكن هيوم لم يفرق بين السببية الخاصة معرفيا، كاكتشافنا ان الماء يغلي على درجة ١٠٠ celsius و قبولنا للبحث عن السبب في العلم التجريبي حالما رأينا هذه الظاهرة، و هذه هي السببية العامة التي تكون ضرورية و قبلية في كل مبحث نريد ان نبرهنه. اي انه قبل ان تبرهن شيئا في العلم ااتجريبي لابد ان تؤمن ان هنالك سبب لهذا الأثر. 

فصحيح اننا فقط نرى تعاقب الأشياء و ان هذا غير كاف لإثبات ضرورة السببية و حصول الأثر، و لكن نحن لا نبرهن وجود السببية عن طريق تجربتنا، بل هي مزروعة فينا حينما خلقنا الله. 

العالم الذي يصفه هيوم هو عالم من الممكنات pure contingency. نظريا اي شيء يمكن ان يلحق اي شيء، اي ان يسببه، لانه لا يوجد ضرورة وجودية بين السبب أ و ب، فبامكان سبب آخر ان يعطيك نفس الأثر او حتى، السبب أ لا يعطيك الأثر ب في اي لحظة. 

هذا المفهوم عن السببية هي ما اتخذه الوضعيون المتطقيون كأساس لمنهجهم. فالسببية يتم اختزالها الى ٣ علاقات معرفية امبريقية (الإقتران المستمر بين أ و ب ،الأولوية الزمانية، السبب قبل الأثر، الجوار contiguity).

معرفة هذه الثلاثة تكفي لنكون مفهوم علمي عن الطريقة العلمية لإكتشاف كل العلاقات السببية، و الآن كل ما علينا فعله هو استخراج البيانات و رؤيت ايها تطابق المعايير الثلاثة التي وضعناها، فتكون سببية. 

كما ترى هذا هو التنظير الميتافيزيقي بعينه، اذ يتخذون معايير كلية مستقرأ من التجارب القاصرة، ثم يعممونها على كل المجالات العلمية. و هذا خطأ فادح لان العلم التجريبي هو علم تراكمي متغير contingent، يتغير بتغير تجاربنا، فهذه المعايير التي استخرجوها هي من تجاربهم على الأشياء التي تقع تحت حسهم و عادتهم، و لكن هذه الأخيرة قاصرة و محدودة، و في المستقبل كما يحصل الآن لدينا تجارب جديدة بامكاننا استخراج منها معايير جديدة. فمن الخطأ وضع معايير مطلقة ثابتة لنفرق بين العلاقات السببية و الغير سببية، لان هذه تأخذ حكمها من التجربة نفسها.

اي ان كون الشيء سبب لاثر (سببية خاصة) يتغير بتغير التجارب و ما يقع في عادتنا الحسية، فمثلا ما يسمى junk dna اول ما اكتشفوه صرحوا ان له فائدة، ثم بعد فترة قالوا انه بقايا التطور و ان ليس له فائدة، و الآن رجعوا الى قولهم الأول (مصدر مقال بعنوان long lambasted as junk dna or genomic parasites, transposable elements turn out to be contributors to adaptation) 

مشكلة في تنظير هيوم للعالم انه كيف سنفعل تجارب و علم تجريبي اذا ليس بامكاننا ان نكون متأكدين ان أ يسبب ب، فانا في التجربة قبل ان ابدأها، اتوقع نتيجة (بناء على مشاهدات سابقة) ثم افعل التجربة و ارى اذا ما تنبؤاتي صحيحة. فمنهجه يوصلنا الى ما بسمى بالشك الإستقرائي inductive skepticism, الرأي القائل بأن استخدام الاستدلال الاستقرائي في تكوين التنبؤات والتعميمات لا يمكن تبريره. 

لا يمكنها حتى الحكم على أنه من المنطقي تناول الطعام. حقيقة أن الطعام قد غذانا وغيرنا من الناس في الماضي لا يقول شيئًا على الإطلاق عما إذا كان سيفعل ذلك في المستقبل ، على الأقل وفقًا لحجة هيوم.

المذهب الثاني هو مذهب القائليل بضرورة السببية necessitarianism

بالنسبة لهم العالم ليس فقط مهيئ من ممكنات contingencies. فلهذا المعارضين لهيوم يقولون ان الضرورة هي جوهرية لمفهوم السببية و ان هذا يحل معضلة الإستقراء. 

بالنسبة لهم، سبب معين ينتج أثره عن طريق الضرورة بطريقة ما. 

و يثبتون ذلك عن طريق برهان no miracles argument. فنجاح العلم التجريبي و التنبؤات لا يمكن ان يكون محض صدفة او معجزة.

في الواقع ، النجاح هنا هو فقط في مجال ما يمكن ملاحظته ، وليس الادعاءات الميتافيزيقية التي يأخذها العلماء كأمر مسلم به عندما نرى تطبيقًا ناجحًا أو تنبؤًا لنظرية ما. ومن ثم فإن الضرورة يمكن أن تكون قابلة للتطبيق فقط في عالمنا المرئي وليس في الجسيمات الأساسية التي من المفترض أنها تسبب التأثيرات التي نراها. يعني أنني أستطيع أن أقول إنني إذا فتحت بابًا في كل مرة تحت ظروف ثابتة ، فسيفتح بالضرورة (بإرادة الله) ، لكن لا يمكنني توسيع ذلك ليشمل العالم غير المرئي لأن نجاح العلم يكون فقط في عالم يمكن ملاحظته ومن ثم ، فإنني أمد تبريرها للضرورة في العالم المرئي فقط. لكن في كلتا الحالتين ، لسنا ملزمين بقبول حجة عدم وجود معجزات حتى في العالم المرئي لأننا لا نؤمن بالسببية المغلقة ، وبالتالي فإن نجاح العلم المادي يتعلق أيضًا بما لا يمكن ملاحظته (الملائكة ...) ، لذلك يجب أن تشملهم الضرورة أيضًا لأن لديهم علاقة سببية ، لكن العلماء لن يقبلوا مثل هذا الادعاء. إن الضرورة في الوجود هي فقط لله ، ولديه السبب الكامل لجلب شيء ما ، ولدينا فقط سبب كافٍ للمعرفة ، وهذا لا يمكن أن يكون ضروريًا ولكنه كافٍ فقط للتطبيقات في العالم الحقيقي.

اذا قبلنا مذهبهم فهو سيحل مشكلة الإستقراء، لانه سيصبح عندنا اساس للقول ان المستقبل سيكون مثل الماضي. هذه نقطة لصالح هذا المذهب. 

و لكن هم سيقعون في مشاكل أكبر، فمن اين اتت هذه الضرورة في العالم. منهم من سيقول انها القوانين الطبيعية هي الضرورية. 

فهذا القانون الضروري هو نفسه الضرورة ااسببية التي اعطت النتيجة حينما تم وضعها على شيء معين.

المشكلة هنا ان هذا ادعاء ميتافيزيقي و لا سبيل للتأكد منه. فلو قبلنا بمذهب هيوم و المذهب الثاني فلا فرق في العلم التجريبي العملي. فحينما ناتي للتجارب، ليسن كل التجارب و التنبؤات مطابقة للواقع، هيوم فسر هذا انه لا يوجد ضرورة سببية و الثاني فسره ان هذا لان الترابط الذي رأيناه هو ليس ترابطا سببيا حقيقيا بل فقط ترابطا صدفي. و كلاهما تفسير محتمل و لا سبيل للترجيح.

و قول المذهب الثاني ان الضرورة موجودة في القوانين فهذا خطأ، لان القانون هو وصف لعلاقة بين شيئين، اي انه مفهوم ذهني وضعناه في معادلة او نظرية لتجميع و تفسير المشاهدات بطريقة متناسقة. فنحن فقط نرى النتيجة و لكن لا نرى القانون. فهم وقعوا في projection fallacy. 

المذهب الثالث و هو يعتبر جديد، القائلين بالميول tendencies. و هو وسط بين المذهبين السابقين. هذت المذهب يسمى dispositional modality، و هو ان مفهوم السببية هو أعلى درجة من الممكنات و لكن أقل من الضروريات. 

بالنسبة لهذا المذهب، فإن الأسباب، تميل dispose للوصول لنتائجها، و أحيانا تنجح و أحيانا لا. و هذا الميل يختلف في القوة، فبعض الأشياء لها ميل لإعطاء نتيجة محددة اقوى من نتيجة أخرى. 

و لكن هذا الميل يتغير بتغير الأحوال و ليس ثابتا، فحتى ادخال الإحتمالات فيها يكون فقط من باب براجماتي لا وجودي. 

من الأرثوذكسية في الفلسفة الاعتقاد بأن هناك قيمتين شكليتين فقط: الضرورة والإمكانية. سيكون هنا ثالثًا ، وهو شيء بين الاثنين الآخرين. لذلك ، على سبيل المثال ، يميل الحيوان المنوي الذي يلتقي بالبويضة إلى تخصيبها ، لكن ليس هناك ما يضمن أنها ستفعل ذلك. ومع ذلك ، فهي أكثر من مجرد احتمال أن تقوم بتخصيبها ، حيث يوجد استعداد للقيام بذلك. والتصرف ، بغض النظر عن مدى قوته ، يمكن أن يتصدى له الآخرون ، لذلك فهو دائمًا ما يقصر عن الضرورة.

ممن يتبنى هذا المذهب يقول بال conditional necessity view، و هو ان الأسباب حينما تكون الشروط التي تحيطها صحيحة، اذن بالضرورة يجب على السبب ان ينتج الأثر. 

و لكن هنالك من يأخذ ب deeply tendential view للسببية. و هو انه حتى مع اجتماع كل الشروط الصحيحة، فالسبب يظل فقط ميالا للأثر، و يمكن الا ينتج عنه الأثر.

فهؤلاء يقولون ان هنالك قوة سببية في الأشياء. ان القوة السببية هي ميزة موجودة في الأعيان تجعلهم ميالين لأثر محدد، اي انها قوة طبائيعية. 

مثال عن الطبائع، مثل الهشاشة و هذه تعني القوة على الكسر، ان ااشيء الهش يميل للكسر. فهذه القابلية على الكسر تظهر في شروط محددة و لكن ليست ضرورية.

طبعا هذا الأخير هو الأقرب للحق و لكن لا بد ان نفرق انه صحيح من الناحية المعرفية الكافية للإنسان، لا الله. بالنسبة لنا، يكفي ان نعلم في بحثنا العلمي ان في الأشياء طبائع اذا اجتمعت الأسباب ستؤدي لنتيجة، و هذه النتيجة ضرورية فقط في حدود معرفتنا، لا وجوديا. اي اننا سنختزل الأسباب كلها بالتي تمكنا من رصدهم، و هذا اختزال معرفي اداتي لا أكثر.

 فبالنسبة لله فه  قدر كل شيء و حينما يريد شيئا فسيحصل بالضرورة، اما مباشرة او عن طريق تسخير اسباب تجتمع لتولد النتيجة التي ارادها الله.

السؤال، هل هذه المذاهب و الإختيار في ما بينها مهم لاجل العلم التجريبي؟  

ليس فعلا لان جميعهم سيتفقون انه حتى لو كانت ضرورية او غير ضرورية فلن يتغير شيء. فانك في التحربة ما ان ترى ترابط بين شيئين، هذا سيكفيك عند هيوم و ستستخدم الإحصائيات و مختلق العلاقات الترابطية مثل covariance لتتأكد ان هذا الترابط قوي ام لا، و يستحيل ان يصل الى الضرورة لان الإحصائات تكون فقط ضمن حدود معرفتك ، و اختيارك للعوامل التي ستأخذها بعين الإعتبار سيكون قاصرا. 

نفس الشيء عن باقي المذاهب، و لكن هم سيقولون هذا يدل على وجود سببية حقيقية و اما هيوم يقول فقط ترابط. و لا سبيل للترجيح عن طريق التجربة لان التجربة لن تبرهن اكثر من الترابط، و عدم الإمكانية هذا لا يعني عدم وجود ااسببية لاننا لسنا امبريقيين. 

و لكن انبه على شيء، فالكاتب Rani lill anjum قال ان مذهبه في الشأن الميول يتوافق مع الأطروحات الفلسفية و يحلها. 

انظر هنا كيف يعتمد موقعه الفلسفي على فكرة الحقائق الموجودة في الوقت الحالي ، مما يعني أنه حتى الآن موقفه يناسب جميع الحقائق الفلسفية الموجودة في النقاش ، ولكن في وقت لاحق يمكن أن يكون لدينا حقيقة فلسفية جديدة لا يمكن لهذا المذهب من تفسيرها، فكما ان مشكلة الإستقراء موجودة في العلم التجريبي، فأيضا موجودة في العلم النظري لان هذا ايضا مبني على تجاربنا التي يجردها عقلنا و يعطينا فيها نمطا متناسقا.

إرسال تعليق