عند الطبيعيين كلما كانت النظرية كونية، كانت المعرفة أفضل. وهذا قد ابتدأ منذ زمن أفلاطون، لأنه ادعى أن أعلى نوع من المعرفة هي المعرفة الكلية المجردة، ما سماه episteme.
وهذا الادعاء متعلق بالدعوى الحديثة في البحث عن fundamental laws التي بإمكانها تفسير كل المشاهدات وتوحيدها.
مثلا قولنا إن الحديد يتمدد بالحرارة، هذه قوانين تكون فقط في أشياء فردية ولكن صحيحة في كل وقت وزمان.
فكما ترى هذا فرضا دهريا طبعاني. فتمدد الحديد هو بسبب قانون أساسي كلي ينطبق على كل الأشياء الموجودة في العالم المنظور وغير منظور لان كلها تتكون من نفس الذرات (مبدأ التماثلية) فلهذا نفس السبب يعطينا نفس النتيجة، وهنا السبب هو fundamental laws.
وطبعا هذا الفرض لا يلزمنا، ولا يلزم كون العلم التجريبي أفضل، فهذه القوانين الكلية لا سبيل للتحقق منها كليا، بل أقصى ما نستطيع فعله هو التحقق من بعض الأعيان في عالمنا الحسي.
فالدهري يريد أن يقول كلما فسرنا مشاهدات أكثر بطريقة متناسقة (مهما كانت في المغيبات) فهذه تعطي قوة للمعرفة. أي أن المعرفة التي تفسر أكثر هي معرفة مفضلة على غيرها.
وهذا لا نسلم لهم به لأنه كلام مجمل. فأنا بإمكاني أن أفسر عدة مشاهدات عن طريق نظرية واحدة مع إدخال الدعاوى الميتافيزيقية في العالم غير منظور لتفسيرها بطريقة متناسقة وحتى لو بم أتمكن من التحقق منها تجريبيا، بل فقط رياضيا.
أو بإمكاني تفسير المشاهدات، كل واحدة بنظرية ولا داع لتوحيدهم لانت عادتي الحسية قاصرة. بالإضافة بإمكاني إقحام دعاوى ميتافيزيقية مستقلة في كل مشاهدة لوحدها لتفسيرها. ولا ننسى أن هذه الدعاوى الميتافيزيقية تكون مبنية على قياس الغائب على الشاهد يمكن في يوم من الأيام أن نتأكد منه تجريبيا أو لا.
أو بإمكاني أن اقتصر في تفسيرها على ما يمكن أن أشاهده كما كان يفعل العلماء قبل اليونيانيين.
فلهذا هذه الدعوى مجملة وتفهم حسب معاييرك السابقة. هل أنت تفرق بين الغيب المحض والجزئي؟ هل أنت أداتي أم واقعي، فتريد أن تعطي أهمية أكبر للتفسير الغيبي أكثر من العملي.
بالإضافة إلى أنه لا مرجح بين اتخاذنا لكل مشاهدة دعوى ميتافيزيقية وتوحيد كل المشاهدات بدعوى ميتافيزيقية واحدة. ففكرة التوحيد لا تلزمنا لأنه بإمكاننا أن نقول إن العالم معقد وان هذه الدعوى الميتافيزيقية ممكن في إي لحظة تأتي مشاهدة جديد تحبرن على تغييرها أو تعديلها. فمن الأسهل أن ناتئا بتفسير لكل مشاهدة لوحدها كي لا نضطر لتعديلها في كل مرة
. بالإضافة إلى أننا نؤمن بعمل الملائكة فالله كما أنه خلق في الأشياء طبائع، حسب اجتماع الأسباب، يتأتى منه عمل طابع معين، فنحن حتى لو تحكمنا بكل الأسباب الطبيعية، لا نستطيع أن نتحكم بالأسباب الغيبية.
حتى كلام الدهرية عن الشروط المثالية وأنها أن حضرت فلن يتخلف الفعل، مبني على طبعيناتهم والسببية المنغلقة. أي أننا نتفق مع المبدأ ولكن الشروط التي نتبناها ليست فقط طبعانية.
بالإضافة إلى أن ما تسميه cartwright ب nomological machine، وهو الحد من العوامل الخارجية التي تتفاعل مع التجربة التي نخوضها، حتى لو كشفت لنا عن الأسباب وشاهدناها فهي تبقى محدودة. فلنفترض أننا تأكدنا أو استخرجنا قانونا من هذه المشاهدة، فهذه القفزة الاستقرائية من التجربة محدودة العوامل إلى العالم المعقد المليء بالعوامل التي تتداخل interferers، يضطرنا لنقول إن النظرية التي وضعناها بتناسق مع التجربة لن تكون كلية لأنها مبنية على معرفة وتجربة محدودة. وطبعا هذه تؤثر على التنبؤات التي تقوم بها النظرية.
فحينما يقول الدهري إن هذه النظرية كلية وان التجربة أثبتتها، فنقول له انهاأثبتت جزءا منها ولا نستطيع أن نفرق إي ادعاء في النظرية هو الذي تم إثباته (holism). ونقول له إنها أثبتت الشق العملي من النظرية، ومن الصعب أن تفرق بين الشق العملي والنظري من الادعاء لأنها مختلطة وبالضرورة يجب أن تختلط لأنه لولا الدعاوى النظرية لما تناسقه النظرية. فأنت يستحيل أن تتمكن من وضع نظرية كلها مبنية على ادعاءات مشاهدة وتربط بين المشاهدات بدعاوى ضرورية لأن هذا يصبح استنباطا لا استقراء، بل لا بد أن تدخل دعاوى نظرية تجعل المشاهدات الجزئية متناسقة. أي أن المشاهدات التي تشاهدها هي جزئية لهذا يستحيل أن تربط بينها إلا بالدعوى النظرية، فتحول المشاهدة الجزئية إلى كلية عن طريق القول إن هذه المشاهدة الجزئية أن كانت صحيحة ومتناسقة مع المشاهدة الأخرى ينبغي ought أن تكون كذا وكذا. مثال على كلامي. تخيل هنالك مجموعتين من ٥ أرقام ويجب أن تضيفهم ليعطوك نتيجة معينة، وأنت عندك فقط ٣ أرقام من كل مجموعة، فتبدأ تضيف الأرقام الناقصة حتى تحصل على النتيجة وتكون صحيحة ومتناسقة.
نعود لفكرة الشروط. العالم عندما يقوم بتجربة وتكون صحيحة ثم يعممها فهو سابقا لديه افتراض ceteris paribus، أي أن التجربة تثبت صحة النظرية مع كون كل الشروط التي كانت موجودة في التجربة هي أيضا نفسها في كل العالم. وطبعا هذا أيضا مبني على فرض أن نفس السبب يؤدي إلى نفس النتيجة. فهنا يقولون إن هذه الشروط بالضرورة تؤدي لهذه النتيجة إذا لم يتغير شيئا.
فكما ترى هذا فرض خفي في مبدأ التماثلية، وهو مبدأ صحيح ولكن فقط من الناحية لأداتيه لا الأنطولوجية، لأنه من المستحيل أن نتأكد من كل الشروط التي فعلنا التجربة فيها (ممكن أن يكون هنالك عوامل ليس عندنا الأدوات لنرصدها فنتحكم بها).
