يظن البعض ان الغرض الرئيسي للعلم التجريبي هو اكتشاف و تفسير الروابط السببية.
طبعا هذا صحيح و لكن لغرض التنبؤ.
هنالك فرق ميتافيزيقي بين التفسير و التنبؤ. فالثانية هي غالبا تكون لشيء لم يحصل بعد. و اما التفسير هو تطبيق النظرية لما حصل و جرى.
كما هو معلوم فإن التنبؤات احيانا تكون خاطئة، لانها مبنية على افصل معلومات متاحة لنا الآن.
طبعا هنالك طريقة hypothetico deductive model الذي يقول انه، ما دام ان فرضيتك صحيحة و طريقتك في التعقل صحيحة، ثم يتبع التنبؤ كمسألة اليقين الإستنباطي deductive.
و لكن هذا النموذج يقعد لنا هذه القاعدة فقط حينما يكون التنبؤ ناتج بداهة عن الفرضية.
و لكن ببساطة بامكان ان يكون التنبؤ خاطئ حتى لو كان من نظرية صحيحة. لانه اذا آمنا بالعكس سنؤمن بأن هنالك ضرورة بين النظرية و التنبؤ necessitarian theory of prediction.
و لكن في الواقع فان هذا المذهب خاطئ لان النظرية هي نفسها مبنية على عادتنا الحسية القاصرة، اي انها ليست بالضرورة صحيحة لذاتها، بل هي فقط صحيحة لانها افضل تفسير رأيناه حتى الآن.
فاذا كان التنبؤ نابع منه، فهو أولى بالخطأ من النظرية. فلا يوجد ضرورة بين صحة النظرية و صحة التنبؤ.
لان التنبؤ يكون في حصول شيء في الواقع و النظرية هي فقط صحيحة وفق حدود معرفتنا، اي ابستيمولوجيا لا انطولوجيا، و لكن الانبؤ هو ادعاء انطولوجي، فلا ضرورة بين الصحة الإبستمولوجية استنباطاتها الى الأنطولوجية لانه لا يوجد تلازم بينهما في هذه الحالة. فمثال على هذا التلازم هو مثل ادعاء ان الفطرة لازمها معرفة وجود الله. فالفطرة هي معرفة داهلية تحصل للإنسان في شروط معينة، يكتشف من خلالها انه لا بد من وجود الله. فهذه معرفة ابستومولوجية استنتجنا منها بالضرورة دعوة انطولوجية، و هنالك ترابط الزامي بينهما. فهنا هذه القفزة صحيحة.
التحدي الأول لوجهة النظر الحتمية هو قابلية الخطأ. من خلال هذا ، فإننا نعني أنه يجب أن يؤخذ على غالبًا تفشل التنبؤات ، حتى عندما تستند إلى أفضل المعرفة المتاحة. على الرغم من التقدم في علم الزلازل ، ما زلنا لا نستطيع التنبؤ بزمان ومكان الزلازل إلى أي درجة مفيدة. نتنبأ أحيانًا بفيروس الإنفلونزا الخاطئ ، لذا فإن اللكمات التي نعطيها للناس لفصل الشتاء ليس لها أي تأثير على ما يظهر باعتباره السلالة السائدة ، كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في 2014/2015.
بالإضافة الى ان هنالك بعض الحالات التي يستحيل لن نتنبأ بها، و عذا لا يعني الغير حتمية. بل فقط صعوبة الأمر بالنسبة لنا. فمثلا لو ان هنالك نظام فوضوي، فأي تغير صغير، سيتغير كل شيء فيه.
بالإضافة الى انه اذا قلنا ان أ يسبب ب بالضرورة، هذا يعني انه اذا حصل أ لا يجب ان بتخلل عنه ب. و لكن نحن نعلم ان هذه للأسباب يغيرها الله كيفما يشاء عن طريق تغير الشروط، فبتفعل طابع آخر في أ ينتج عنه س.
مثلا في الكأس طابع الهشاشة، اذا رميته سينكسر، لان طبعه هو الهشاشة. و لكن اذا غيرنا الشروط فممكن الا ينكسر. فلا يوجد ضرورة بين رمي الكأس و انه سينكسر.
فالهدف من التنبؤ هو ان نقول بالإمكان الفيزيقي لحصول الشيء لان فيه طابع معين يدعنا نظن انه سيحصل كذا و كذا في المستقبل.
معرفة أن الأجسام تتجاذب وفقًا لقانون الجاذبية ، على سبيل المثال ، تخبرنا أنها تميل نحو بعضها البعض. كلما زاد حجم الجسم ، زاد ميل الآخرين نحوه. يقدم هذا أساسًا قويًا جدًا للتنبؤ بحركة الأشياء. وكما أوضحت كارترايت ، فإنها لا تخبرك بمكان وصول فاتورة الدولار إذا أخذتها الرياح في ساحة مدينة مزدحمة. في حين أن الميل إلى السقوط نحو الأرض لا يزال موجودًا ، فإن جميع أنواع الميول الأخرى ستؤثر عليه ، مثل اتجاه الرياح وما إذا كان المنقار مطويًا ، الأمر الذي يمكن أن يبطل الجاذبية. من المتصور تمامًا أن يمسك شخص ما الفاتورة ويضعها في جيبه.
كلما عرف المرء أكثر عن الصلاحيات في العمل ، والتي تعمل في حالة معينة ، كان من الأفضل توقع النتيجة النهائية.
قولنا ان في الأشياء طبائع تميل اليها حال حصول الشروط، لا يعني ان العالم غير حتمي، لان قولنا هذا هو فقط ابستمولوجي، لا وجودي. و الا فالله يقدر و يحتم كل شيء في علمه و في مشيئته.
و لكن قولنا ان الأشياء تميل الى شيء معين، يفسر لماذا هنالك تنبؤات خاطئة، بعكس الذين يعتقدون بضرورة الرابط بين نظرية صحيحة و التنبؤ.
بامكاننا ان نفرق بين التنبؤ كنتيجة و التنبؤ كفعل او نشاط. فالأول كقولك ان غدا ستمطر، فيقبل التصديق و التكذيب. و اما الثاني هو العمليات التي تقوم بها للوصول الى التنبؤ.
ما أعنيه هو أنه نظرًا لوجود ميل للسبب لتقديم مثل هذه النتيجة ، فهناك احتمال للتنبؤ ، ولكن ليس هناك ما يضمن أن الطريقة التي اعتدت على التنبؤ بها صحيحة ، أو أن التنبؤ سيحدث لانه لا يوجد ضرورة بين صحة النظرية و صحة التنبؤ.
مثال على ذلك، تخيل ان عالم في الأرصاد تنبأ و أخطأ، و مشعوذ تنبأ ايضا و اصاب، فنقول ان الأول طريقته في التنبؤ صحيحة حتى لو اخطا و الثاني طريقته خاطئة حتى لو لم يخطئ.
وبالمثل ، إذا اتبعت حدسًا وتوقعت أن النرد سيهبط على الرقم ستة ، فإن توقعك لم يكن جيدًا ، من حيث النشاط ، حتى لو كان صحيحًا. لا يعتبر اتباع الأحاسيس طريقة علمية جيدة للتنبؤ.
فلهذا نقول ان صحة التنبؤ ليس شرطا ضروريا و لا كافيا لكون طريقة التنبؤ صحيحة.
لماذا يجب على التنبؤ ان يكون واضحا و محددا، لا عاما؟
لانه ببساطة سننتفع به أكثر بالإضافة الى ان احتمالية الخطأ في الأول أكبر من الثاني.
ان أتنبأ بأن الطقس سيكون 30 لكنه يكون 29 ، أو أتنبأ بأنه سيكون بين 15 و 30. الأول أفضل من الأخير ، لأن الأخير لديه احتمالية أكبر لكونه على حق وهو أقل فائدة ، مما يعني لن أعرف ما إذا كان علي ارتداء لباس صيفي أم لا.
فاحيانا حتى لو كون التنبؤ خاكئ بامكاننا ان نستفيد منه عمليا.
نقطة اخيرة يجب ان ننتبه اليها هو ان الإحتمال لحصول شيء لل يعد تنبؤا، كالقول انه يوحد فرصة 60 % ان يهطل المطر، لانه متسق مع هطول المطر او عدم هطوله.
و نفس الكلام بشأن قولنا ان الشيء له ميل معين لإنتاج اثر معين، فقولنا ان له ميل هذا يعني اننا نجوز حصوله و عدم حصوله، فلهذا نقول ان هذه التنبؤات هي فقط تنبؤات heuristic ارشادية، مساعدة على الكشف و تطور الآراء و الأفكار، لا اثبات النظرية.
ما هو الرابط بين التجربة و التنبؤ. تكمن قيمة التجربة للتنبؤ في أنها تمنحنا معرفة بالقوى السببية للأشياء وتفاعلها ، والتي يمكن بعد ذلك تطبيقها خارج السياق التجريبي.
اي ان هذه التجربة هي external validity تأكيد خارجي للتنبؤ. و لكن المشكلة تكمن في كون صحة التحربة في بيئة معينة يمكن تعميمها على كل البيئات بظروف مختلفة.
مرة أخرى ، يمكن أن يُنظر إلى هذا على أنه مشكلة في الاستدلال مما حدث في التجارب إلى ما حدث أو سيحدث في الواقع
و هذا يوقعتا في ٣ مشاكل:
١- التعميم generalization من العينة population الى العوام target.
٢- التخصيص، من المجموعة الى الأفراد داخل تلك المجموعة.
٣- قابلية التكرار replicability من مجموعة الى مجموعة ثانية.
كل هذه الإستنتاجات مبنية على ما اذا كانت الغينة التي قمنا التجربة عليها شبيهة بما فيه الكفاية للمجموعة الاي نريد ان نصيبها.
فالثانية تعبر عن ecological fallacy، لا يوجد موثوقية في استنتاجك من مجموعة الى فرد.
سيكون هناك متوسط ارتفاع للمجموعة ، ولكن من الواضح أن هذا لا يسمح بالاستدلال على ارتفاع أي فرد. هذا لا يعني إنكار أن التنبؤات على مستوى السكان يمكن أن تكون مفيدة: لا يزال من المفيد أن يكون هناك توقع لحدوث أمراض القلب بين السكان ، لأغراض التخطيط للرعاية الصحية ، حتى إذا كان المرء لا يعرف الأفراد الذين سيتأثرون.
