١- العالم الخارجي موجود حقيقة منفصلا عن أذهاننا، و ان له حقيقة واقعية موضوعية عرفها من عرفها و جهلها من جهلها
هذه المسلمة ماذا تفيدنا؟ تفيدنا للقول ان الحوادث التي تحدث في الخارج/الطبيعة حاصلة سببيا بدون تدخلنا في العموم.
و ان هذه الأسباب تؤدي لحصول نتيجة موجودة موضوعيا، اذا رأيناها فقد رصدناها و اذا لم نراها فتظل موجودة
بناء على رصدنا لها ناتي بنمط معين استقرأناه من تجربتنا الحسية في كيفية حدوث هذه النتيجة. فنعطي تفسيرا عقليا في كيفية حدوث الشيء تزامنيا على قدر استطاعتنا.
٢-أن في العالم نظاميات سببية causal regulatiirs تكسبه قابلية التنبؤ على اساس أن حصول الأسباب اذا حصلت، يقتضي حصول المسببات causal imply effects
ماذا تفيدنا هذه المسلمة؟ تبين لنا اننا نفترض سابقا ان في العالم انماط جارية على سنن و ان الله هيأ لنا ما في عقولنا و حواسنا على اكتشاف اجزائها. و ان هذه السنن نكتشفها و نحدها معرفيا حسب عادتنا الحسية، و لا نستطيع ان نحيط بكل السنن للتي وضعها لنتنبأ ١٠٠% بالنتيجة التي ستحصل ما اذا جمعنا المسببات. فنحن هنا فقط نفترض سابقا اننا سنصل للمرحلة المعرفية التي تسمح لنا ان نشاهد بعضا من هذه الأنماط التي بها نستفيد و نضعها في معادلات رياضية و نوظفها واقغيا لنستفيد منها.
٣- ان ماضي العالم مناظر لحاضره مطلقا، و كذلك المستقبل.
طبعا هذه مسلمة دهرية طبعانية، و لا دليل عليها لا عقلا و لا تجريبيا.
فعقلا يجوز ان يكون الماضي مختلف في السنن عن الحاضر، فكما ان القوانين ممكنة contingent فمن السهل ان تختفي و يأتي غيرها بمشيئة الله و ان هذا التغير يكون من حال الى حال و هذا يعني انه يستحيل معرفة الحال الأول لانه يختلف كليا عن الذي في الحاضر.
و تجريبيا يستحيل التأكد من هذه الفرضية لاننا فقط بامكاننا ان نتأكد من الحاضر، و الماضي قد مضى و لم يعد يوجد انطولوجيا للتأكد منه، و كذلك المستقبل فهو لم يبدأ بعد لنتأكد منه.
و ان قالوا لك نتأكد منه تجريبيا عن طريق الآثار الذي يخلفها، نقول له ان هذا دور لانك تفترض سابقا وجود اتساق او تماثل بين الماضي و الحاضر لتدرس هذه الأثار على اساس انها نتاج السبب الأول الذي ادى بسلسلته الى هذا الأثر الذي نشاهده.
و لكن طبعا هذا الإتساق و التماثل نفترضه فيما هو تحت عادتنا الحسية، ليس لانه صحيح انطولوجيا بل لانه يساعدنا براجماتيا.
حينما تريد ان تفسر نظام معين، لا تستطيع ان تفسره عن طريق استخدام اجزاءه التي تكونه، بل التفسير لا بد ان يكون مبني على علاقة بين شيئين موجودين فيه، فتفسيرك هو تجريد لما تراه، فآثاره نابعة عن التفاعلات الحاصلة فيما بين اجزائه لا ان اجزاؤه لوحدها تعطيك نفس الأثر.
و هذا مبني على ما يسمى retroductive reasoning و هو خليط بين الإستنباط و الإستقراء، تدرس من خلالهم الأسباب التي تؤدي الى هذه النظم التي تشاهدها.
فاولا تاتي ببيانات و تستنبط منها نمطا او علاقة ثم تذهب و تتأكد منه استقراء. و اذا لم تصح تعيد النظر في استنباطك.
فلهذا بناء على هذا المفهوم حينما اريد ان افسر رائحة الكلور لا أقول بسبب ذراتها، بل التفاعلات الحاصلة بين ذراتها، فانا كل ما افعله انني اصف هذه العلاقة (رياضيا مثلا).
و طبعا هذا يوصلنا لسؤال هل الذرات مشاهدة ام فقط نتاجها؟ لهذا اذا قبلنا هذه الصورة لا بد ان نفترض سابقا ان الذرات هي اشياء لا يمكن تصورها و انها متماثلة و الا فلن يكون عندنا نف النتيجة في كل مرة و اذن لا نستطيع ان نرى نظاما يمكن وصفه. فهذا اختزال اداتي لا انطولوجي.
فكما ترى هذا الفرض مبني على انه لا يوجد الا السبب الطبيعي المتسلسل و الذي لا ينقطع و لا يتحول حاله/جنسه و لا يتوقف، فيبدأ سبب جديد مغاير للذي قبله
فهنا هم يفترضون التعلل التام للمسبب cause imply effect
و هنا تكون العلة التامة طبعانية، و انه بناء عليها اذا عرفنا كل الأسباب لتمكنا من التنبؤ بكل شيء
و طبعا هذا باطل لانه اولا هو يفترض انه يوجد فقط اسباب طبيعية في الوجود تؤدي بالضرورة دائما الى نفس النتيجة، و هذا ليس بالضرورة صحيح لان كل نتيجة مع تغير شرط معين او البيئة ستتغير النتيجة و حتى مع علمنا بكل بيئة لوحدها هذا يعني انه لا نستطيع ان نعمم اجابتنا، بل يصبح العالم كالجزر، كل جزيرة يكون فيها قوانينها الخاصة مع شروطها
بالإضافة الى ان هذا افتراض عقلي ممتنع وجوديا لان خلقتنا ناقصة و لا نستطيع ان نحيط بكل شيء و الا فهذا شرك. هو شرك لانهم اختزلوا علم الباري بعلم الجزيئات الذي بزعمهم يتكون منه العالم بأسره.
و اختزلوا ايضا ان فقط هذه الأشياء المادية هي التي تؤثر فيما بينها و انه لا يوجد اشياء غيبية كالملائكة يؤثرون فيها.
و طبعا ترى هنا الطبعانية و هي تنفي وجود اي شيء بناء على مسلمتهم بالسببية المغلقة (لا مسبب في الوجود الى الأسباب الطبيعية)
ففكرتهم هي حينما ناتي بقانون فهو قانون حاصل في الخارج على الحال التي وضعناها، اي يصبح وصفهم و تجريدهم للنظام هو الذي يمشي العالم و ليس الله الذي يمسك السموات و الأرض ان تزولا. فبحسبهم قانون نيوتن على سبيل المثال هو الذي يمسك السموات و الأرض. و مجددا هذا لانهم نفوا الغيب و ان كل شيء مادي فهو من جنس واحد، فبامكاننا اذن ان نقيس ما هو قريب علينا بما هو بعيد، لانه مماثل له، اي ان آثاره ستكون مماثلة لآثار ما نراه تحت حسنا. فمثلا اذا قلنا ان هذا النوع من الموجات يصدر من أ (القريب منا)، فرصدنا نفس الموجات من شيء بعيد عنا (العالم الغير منظور) اذن لا بد ان يكون ما رصدناه مشابها ل أ. فكماوترى هذا مبني على مسلمة homogeneity ان كل العالم متماثل. و هذا افتراض لا نسلم به، بل هو افتراض ميتافيزيقي يستحيل ان نتأكد منه تجريبيا، و عقلا لا يلزمنا، بل بامكانه ان يكون العالم غير متماثل و القوانين فيه فعالة بمشيئة الله.
و ان قلت كيف لشيء من انواع مختلفة ان يعملا في نفس المكان، نقول لك كما يعيش الجن و الملائكة بيننا و معلوم ان نوعهم ليس من نوعنا.
وثانيا الانسان لا يحيط بكل المتغيرات التي تحكم الظواهر الطبيعية في هذا الجزء من العالم وثالثا نحن لا يمكنننا معرفة كل قوانين العالم (السنن الموجودة فيما وراء الحس) كما ان الرياضيات تجيز وجود قوانين أخرى بقيم مختلفة عن التي نعرفها في هذا الجزء الصغير من العالم. فمثلا هذه القوانين الريضية، مثلا قانون نيوتن F=m(ds/dt)2 ليس الطريقة الوحيدة لنحسب بها القوة F عن طريق momentum، بل هنالك عدة معادلات يمكنها ان تحسبها لنا
فالمشكلة في هذا الفرض انه يختزل الأسباب في الأسباب الطبيعية، علما ان هذه الأسباب الطبيعية بامكاننا ان نصفها تسلسليا و لكن ليس بامكاننا ان نقول لماذا تحصل هكذا
فهو هو هنا افترض سابقا ان معرفة السبب و كيف يبدأ و كيف ينتهي كاف لمعرفة ماذا سيحصل في المستقبل
و لكن في الحقيقة اذا سألنا لماذا هي تحصل هكذا؟ ما الذي رجحها ان تكون بهذا النمط؟ فلا اجابة عندهم، و هنا نقول انه بسهولة اللع بامكانه ان يرجح متى شاء نمط آخر من نفس الأسباب، اي يتغير التسلسل في اي لحظة
فقوله انه بامكاننا ان نتنبأ ١٠٠% اذا عندنا كل المعطيات غير صحيح
فهنا هو يختزل الأسباب كلها انطولوجيا التي درسها في هذا العالم و هذا طرد متحكم و لا بد من اثباتها، و لكن في الحقيقة الإختزال المعرفي الكافي و الذي يأتي بنماذج عملية هو المسموح
و لا تلازم أولي بينهما.
يطرد الدهرية طبائع الأشياء المحسوسة والقوانين الفيزيائية الموجودة حاليا في جهة الماضي بلا حد ولا قيد بناء على اعتقادهم في تسلسل الأسباب الطبيعية ازلا وابدا ولهذا يعترض عليك الدهري او العلموي اذا قلت له بان السنة تخبرنا ان ابونا ادم عليه السلام قد كان طوله ستون دراعا—يجيبك بقوله بان هذا ممتنع الوقوع لان هذا يقتضي (حسب اعتقاده الدهري) بان انسانا بهذا الطول لا يمكن ان يتناسب جسمه ودماغه مع قيمة قانون الجاذبية فإنسان بهذا الطول لن يستطيع المشي ولن ينموا جسمه بطريقة طبيعية فإذن يمتنع ان يوجد هذا——لاحظ ان هذا النفي مبنى على مسلمتين دهريتين الأولى اطراد القوانين الفيزيائية الحالية والثانية اطراد الطبائع الموجودة في الأشياء المحسوسة في العادة—-فنحن نقول بانه لا يمتنع ان تكون القوانين الفيزيائية (من بينها الجاذبية) متغيرة في ذلك الزمان كما انه لا يمتنع ان يكون الله سبحانه وتعالى قد ركب طبعا مختلفا في الناس التي عاشت في ذلك الزمن بما بتلائم مع القوانين الفيزيائية——(حتى الديناصورات هذه لا يمتنع ان تكون حيوانات تقاصرت في الطول مع الزمن كما ورد في الحديث بشان ادم عليه السلام).. المهم لاحظ ان نفي قضية مثل هذه يعتمد على مسلمات دهرية محضة وهي اطراد القوانين وطبائع الأشياء الحالية في جهة الماضي بلا حد ولا قيد.
و نختلف معهم فيما هو طبيعي، ففرضهم لازمه ان لا يوجد في العالم غيب محض، بل كله غيب جزئي يمكن قياسه على الشاهد. ولكن كما وضحت في المنشور السابق القوانين الفيزيائية التي نعرفها حاليا ليست هي القوانين التي تحكم كل العالم لان الطبيعية في مفهومنا هي الأشياء المحسوسة الداخلة سواء بالقوة او بالفعل في العادة الحسية وليس كل الوجود بإطلاق فدعوى وجود نظرية تصف كل شيء في العالم لا تتعدى ان تكون دعوى خرافية لا علاقة لها بالعلم التجريبي ولا يمكن اثباتها بل العقل يجزم ببطلانها وامتناعها
فقياسهم الغائب على الشاهد بإطلاق مبني على مبدأ الإطراد، ان كل الأسباب متسلسلة و لا تنقطع، فآثارها تبقى و بهذا بإنكاننا ان نقيس الغائب على الشاهد. و لكن حتى و ان سلمنا بذلك فانت تعرف بداهة انك رأيت جزئا من الآثار التي يولدها هذا السبب و لا سبيل لك لمعرفة ما اذا كان الأثر هو كل ما انتجه السبب. و بما انك فقط تعرف بعضه اذن لا يمتنع ان يوجد سبب آخر يعطيك نفس الأثر الحزئي الذي رصدته. فهذا راجع الى ان استقراءنا ناقص و مبني على عادتنا الحسية و ان هذه العادة محدودة في الوصف و المعرفة، فيخفى عنها اسباب كثيرة تكون قد تعكي نفس الآثار الجزئية التي رصدتها.
فهذا الإطراد الذي تزعمه هو تحكم منك في العالم و لا تستطيع الا ان تأخذه كافتراض سابق.
فالقانون الطبيعي هو كلية ذهنية تصف العلاقات بين الأسباب المطردة في الواقع، فانت حينما تصفها، يكون هذا الوصف تحت عادتك الحسية القاصرة، فبالضرورة وصفك سيكون اختزالي و محدود، فبأي سلطان تعمم هذا القانون على باقي العالم.
فكما تعلم الشيء فيه طبائع و بحسب الشروط ينتج شيئا من طبائعه التي هيئها الله له، فممكن الشيء لديه ٥ طبائع و بحسب الشروط و الأسباب سيتفعل طابع معين.
فلا بد ان نقيد هذه المسلمة، و تقييدها هو ان نقول كلما بعدنا في الماضي قلت احتمالية قياسنا حتى نصل الى خال خلق السموات و الأرض فهذه يستحيل ان نقيسه لانها "معجزة". و اما في المستقبل فهذا يكون يوم الحشر و الحساب.
و ما بينهما، اي بعد خلق السموات و الأرض في ستة أيام و طلوع الشمس من مغربها، فالله أعلم بتغير أحوال السنن السببية.
و نقطة مهمة في شأن التنبؤات المستقلية الا و هي انها على عدة انواع. فهنالك ما بسمى forsight حيث يكون عندنا ادعاء يمكن التحكم بجميع العوامل variables. القاني و هو prediction حيث يوضح حالة المتغير خلال فترة زمنية، اي حينما يحدث، فالمتغير ليس فعلا تحت سيطرتنا، و اخيرا forcast، و هي التنبؤ و لكن مع ارتباطها باحتمالية خطأ error margin
و هذه كلها انواع مختلفة بحسبها بامكان اطراد نظريتنا في المستقبل معرفيا لا وجوديا. ففي الأولى نقبل اطرادها كليا لاننا نتحكم بكل المتغيرات، و اما الثانية فقط في المستقبل القريب و الثالثة لا نستطيع ابدا.
٤- أن ما يغيب عنا من أمر العالم، مناظر مطلقا لما هو شاهد تحت الحس منه.
كما ترى هذه مسلمة مبنية على قبولهم بالمسلمة الثالثة (ان ماضي العالم مناظر لحاضره مطلقا، و كذلك المستقبل)، اي ان مع قبول المسلمة ٣، تاتي هذه المسلمة الرابعة و تكون صحيحة عندهم.
هذه المسلمة مفادها انه لا يوجد غيب مطلق في هذا العالم، بل يوجد فقط ما هو مشاهد مباشرة و غيب نسبي متصل بالضرورة بما هو مشاهد، و مطرد معه. اي ان هنالك اتصال سببي بين ما هو مغيب و ما هو مشاهد، و ان ما نشاهده من اسباب و آثار، بامكاننا ان نقيسها زمانيا في الماضي و مكانيا في ابعد حدود العالم، لأن العالم المشاهد مناظر لما هو تحت الحس.
و هذه نابعة من المسلمة ٣ لانهم افترضوا ان لا مسبب في الكون الا الطبيعة، اي لا يوجد الا اسباب طبيعية، فاذا هذا صحيح اذن لا بد ان تكون كل الآثار النابعة عن سبب محدد، نفس هذه الآثار اذا رصدناها عن مكان بعيد يجب ان يكون هذا السبب مماثل للسبب المشاهد تحت حسنا.
و طبعا هم هنا لم يفرقوا بين السببية المعرفية الكافية و الوجودية، لانهم لا يرون في الوجود الا الطبيعة، فاي معرفة يكتسبونها فهي كافية وجوديا لا فقط معرفيا، اي انهم سووا تلازما بين المعرفة التي رصدوها و كونها وجودية (اي صحيحة واقعيا) و كافية لوجود الشيء.
و لكن هذا التلازم هو فقط افتراض لا بد ان يثبتوه. فلا يوجد ضرورة بدهية بين معرفة كيف تعمل الجاذبية و لماذا وجدت (اي سبب وجودها) و كيف وجدت، لانه امر مغيب عنا كليا، قد حصل في الماضي و لا يوجد ما في خبرتنا تقيسه عليه.
و طبعا هذا تلازم غير صحيح، لان ما نرصده، و وصفنا له ليس بالضرورة صحيح. و حتى رصدنا له، و خاصة ما اذا كان شيء مغيبا عنا، سيكون متأولا كثيرا لنتمكن من فهمه ضمن ايطار نظرياتنا.
و اذن لا بد ان نفرق بين الغيب النسبي و الغيب المطلق، فالأول نجيز البحث فيه و اما الثاني فلا. لماذا؟
لانه بكل بساطة، العلم قائم على التشبيه analogy، فاذا اريد ان اشبه شيئا بشيء آخر لا بد ان اراه و لو بالقوة (غيب نسبي)، حتى ارى بعض اثاره فأقيسها او اشبهها على المشاهد. فحينما افعل ذلك يتكون عندي نموذج تشبيهي بين الحس المباشر و الغيب الجزئي، فبهذه الطريقة استطيع ان أفهمه و اضعه في نموذج متناسق. اذ لا بد اولا من تخيل هيئة الشيء قبل البدء بتفسيره و فهم طريقة عمله.
لا بد ان نعي ان هذا التساوي بين الغيب النسبي و المطلق يكون في القوانين fundamental laws، اي ان كل اجزاء العالم تجري عليها نفس القوانين، اي لا يوجد جزء مغاير لغيره.
و هذا يعني انه حتى لو تغير شكل العالم من بدايته حتى اليوم، الا ان نفس القوانين جارية، فلهذا نستطيع ان نعرف مما نشاهده من حسنا بداية هذا الكون و ماضيه السحيق. لانها نفس القوانين الجارية اليوم و لم تتغير منذ الأزل. فلا يوجد اسباب جديدة نشأة من غير جنس المادة التي بدأ بها الكون.
فحصول السبب الأول في العالم كان بفضل هذه القوانين، و ان هذا القانون ايضا ادى الى تغيره حتى وصل على ما عليه الآن. فلهذا اذا فهمنا السبب المشاهد بامكاننا ان نفهم القانون و اذن نفهم كيف بدأ العالم و كيف تطور من خلال دراسة الأثار الموجودة تحت حسنا.
يقول الشيخ ابو الفداء "لا بد حتى يجوز لنا ان نستعمل منطق الإستقراء و ما يتعلق به من ترجيحات احصائية و تفسيرية، ان يكون لدينا سبب مقبول عقلا للحكم بتشابه جميع افراد النوع المبحوث في علة الإستقراء"
اي انه اذا كان المبحث ادى لنتيجة معينة، ثم نريد ان نعممها على غيرها من العينات، جاز ذلك اذا كان عندنا ظن راجح ان هذه العينات تشبه العينات التي استخدمناها في المبحث الأصلي.
و لكن ما الشأن اذا كنا نريد ان نعمم نتيجتنا على عينة لم نراها ابدا و لم "نزرها"، اي انها من الغيب الذي لم يعطنا الله القابلية على رؤيته و قياسه. فهذه العينة او المكان ليس بامكاننا ان نقول، و لو بظن راجح انها مماثلة للمكان الذي درسناه، و كلما بعدت المسافة قلت الإحتمالية. فاذا قلنا ان في هذا المكان الأشياء مكونة من ذرات هي من تعطي الشكل الخارجي للشيء في حال تجمعها، فان هذه تقسيمة اعتبارية لا اكثر لا نستطيع ان نجزم و نقول ان الحجرة التي امامنا تكونت اولا من ذرات (من هيئة و مادة معينة) اجتمعت فأعطت شكل الحجرة و خصائصها. هذه قسمة صحيحة و ممكنة واقعيا و بامكاننا ان نتحقق منها تجريبيا. و لكنها ليست القسمة الوحيدة الممكنة لتكون الأشياء، بل عقلا جائز ان تتكون حجرة بطريقة ما بدون ذرات تجمعها. يعني مثلا في القرآن يقول الله انه خلق آدم من طين، و لكن اذا قسمنا الإنسان فلن نصل لطين، فترى هنا تغير نوع المخلوق من خال الى حال، و هذا التغير يكون بسبب قد نشأ حال التغير ثم انتهى حينما انتهى التحول، و هذا السبب يستحيل ان نعرفه لانه اولا قد ولا و لا يوجد ما يربطه سببيا بالطبيعة بالإضافة الى انه سبب من جنس آخر عن الذي نعرفه.
فنفس الشيء الحجرة، قولنا انها تكونت عن طريق تجميع الذرات فهذا تفسير محتمل و لكن لا يعني انه الواقع، بل بامكان الله ان يحول الماء الى صخرة بطريقة لا نعرفها في زمن من الأزمان، فتكون الذرات التي فيها هي فقط صفات حدثت بعد التغير و هي غير مقصودة او عرضية. اي ان ليس كل تحول من حال الى حال يستلزم ان يعطيك ذرات. فاذا قسمنا الحجرة و وجدنا فقط الذرات هذا لا يستلزم بالضرورة ان هذه الذرات كانت موجودة ثم اجتمعت فأعطت الحجرة. و لكن نعم هذا تفسير ممكن و يمكن التأكد منه تجريبيا، و لكن هذا لا يعني ان هذا يحصل بهذه الطرسقة في جميع أقطار الكون. و لكن الفلاسفة يقولون بما ان هذا فقط ما رأيناه و تأكدنا منه في الواقع اذن لا بد ان يكون كل شيء يتكون بهذه الطريقة، عن طريق تجميع الذرات و ان الشيء يتحول لشيء آخر فقط عن طريق تغير وضعية هذه الذرات، و ان التغير دائما يكون مرتبد سببيا و طبيعيا بالسبب الذي قبله و الذي يليه، اي بالحالة القديمة و الجديدة. و كل هذا لانهم نفوا وجود جنس اسباب مغاير لجنس الطبيعة.
فلهذا لا نستطيع ان نقول ان المكان البعيد و المغيب عنا الذي سنفترض انه ايضا مكون من احجار، فان هذه الأحجار لها نفس خصائص الأحجار التي بجوارنا و انها مماثلة لها في الهيئة.
فلهذا على المسلم ان يتقي الله في حدود استقرائه و عادته و الا يجاوز ذلك بفرط و لا بتعميم، و ان يضع نصب عينيه قول الله " وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"
فما نقطع اننا ليس باستطاعتنا معرفته هو الغيب المطلق في السموات، الذي لا نجد في عادت البشر له نظيرا في خبرتنا و عادتنا.
فهذا هو القيد المنطقي للإستقراء و القيد في قياس الغائب على الشاهد.
و هذا مبني على كفرنا بمسلمات الدهريين. لأن بالنسبة لهم بما ان لا مسبب في الطبيعة الا الطبيعة، اذن كل شيء يجب ان يكون له تفسير علمي. فمقصودهم انه لا يوجد غيب مطلق، و لا يوجد اي حادث يقع في الماضي او في مكان بعيد الا و نستطيع ان نقيسه على عادتنا الحسية، و انه معلل علة تامة بالضرورة بأسباب طبيعية التي يمكن نظريا التوصل الى افتراضها من طريقهم. لاننا كما قلنا كل العالم مناظر لبعضه اابعض و فيه جنس واحد من الأسباب المترابطة كلها زمانا و مكانا (اي مطردة).
فالعلة التامة معناها ان الأثر الذي نراه اسبابه فقط طبيعية من جنس واحد.
و اذن هم عندهم عقيدة وجودية الا و هي منع وقوع اي حادث في العالم غير قابل للتفسير الطبيعي.
و انما نحن كمسلمين نقول ان العلم التجريبي مقتصر على ما يحصل تحت عادتنا الحسية و ما كان غيبا محضا فمعرفته تكون فقط عن طريق الوحي المنزل.
مثال على ذلك، فقد ثبت عندنا ان الرعد هو صوت من الملائكة يسوق به السحاب، فهذا اثبات لأسباب غيبية لا تعارض في ثبوتها البتة مع ثبوت ما يظنه الطبيعيون تفسيرا لظاهرة الرعد و الصوته. و وجه امتناع التعارض و ثبوته عقلا هو اننا لا نطلع على الأسباب المغيبة كليا عنا و لا نقدر ان نصل اليها من طريقنا. فمن ثم فلا نملك اساسا او مستندا في العادة نحكم به على ترتب الأسباب المحسوسة على هذه الأسباب المغيبة التي جاء النص بإثباتها. اذن رفضهم لهذه الأسباب المغيبة كليا مبني على انهم لا يجيزون وجود اشياء مغيبة كليا، بل كل شيء اما مباشر ام مغيب نسبي. فالملاك الذي يفعل هذا الفعل لا بد ان نتمكن من وضع تجربة لنتأكد ما اذا كان ادعاؤنا صحيح. و لكن هذا مما لا نسلم لهم به، لأن هذا ادعاء انطولوجي كلي لا سبيل لمعرفته. بل ان الفطرة تدل على خلاف ذلك، فبما ان فطرنا على معرفة الله و ذاته و افعاله من جنس آخر لا نعرف كيفيته، فاذا من الطبيعي ان نقول انه يوجد اسباب مغيبة عنا كليا جنسها غير الذي يقع تحت حسنا.
و هذا ما عبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله ان الشرع جاء بمحارات العقول ليس بمحالات العقول.
فكل ما علينا قوله هو ان السبب الطبيعي ليس الا نوعا من أنواع الأسباب التي سخرها في هذا الكون، و هذه تفيد فقط المعرفة السببية الكافية لا الوجودية. و باستخدام هذا النوع من السببية نتمكن من معرفة بعض الحوادث الطبيعية لا كلها لان بعضها لا يدخل في هذا الحيز اذ هو يكون مبني على اسباب غيبية مطلقا، لا يوجد عندنا ما نقيسه عليها في عادتنا، كنشأة الحياة و العالم، و معجزات الأنبياء.
