حول معيارية مفهوم السببية

 


لا بد ان نعلم ان مفهوم السببية لا يمكن حصره في قواعد، و لا يمكن اختزاله في بعض الطرق الوصفية فنجعلها معيارية و نقول ان هذه فقط تؤسس مفهوم لمعنى السببية.

ففي الواقع لا يوجد علامة موثوقة في الطبيعة تحدد لنا كل مفهوم السببية. فلهذا نحن نؤمن بالتعددية المنهجية methodological pluralism.
و لكن هذا لا يعني اننا نؤمن بالتعددية الأنطولوجية ontological pluralism. فان السببية هي بدائية و بدهية.
مبدأ السببية متعلق بموضوعية العلم التجريبي و طرق اكتشافه لأسباب الآثار.
فبالنسبة لبيكون يجب على العالم ان يبدأ مشاهداته بدون اي افتراضات سابقة كي يسلم من التحيزات. و هذا طبعا لانه من الإمبريقيين الذين يؤمنون اننا نخلق كالورقة البيضاء، بدون اي علم سابق، فلهذا بامكان العالم ان يتجرد من كل مفاهيمه السابقة، ولكن طبعا هذا مفهوم خاطئ لان قولك الآن سأتجرد من كل مفاهيمي السابقة، هو مفهوم سابق لن تتجرد منه و ستبدأ مشاهداتك و هو في رأسك. بالإضافة الى انه يستحيل ان تتحكم بعقلك الباطني و تطفئه. لانك حينما ستنظر في التلسكوب فانت ستستخدم الطريقة التي تعلمت بها استخدام التلسكوب، و ستضعه في مكان معين تظن انك سترى فيه ما تريد لإثبات نظريتك، فتنظر في شيء محدد و تتجاهل باقي الأماكن، و هذا لانه عندك فكرة سابقة عن الشيء الذي تبحث عنه.
و اما هيوم فحاول ان يبني نظرية للسببية على ما نستطيع ان نشاهده. و لكن بما اننا لا نرى رابط سببي بين حدثين، يمكننا فقط التفكير في الأول كسبب للحدث الأخير لأن النوع الأول من الحدث يتبعه بانتظام النوع الثاني من الأحداث.
نريد ان نقوله هو انه لا يمكن ان نتهرب من فكرة ان العلم التجريبي ليس محايدا، و محاولة جعله محايدا ستفشل كما حصل مع الوضعيين.
فادعاء ان العلم يجب ان يكون خال من اي معيار هو نفسه ادعاء معياري. مثل مبدأ verificationism الذي وضعه الوضعيين لا يمكن التأكد منه بنفس المعيار الذي وضعوه.
عندما يتعلق الأمر بالاكتشاف السببي ، فإن أي شخص يعتقد أن الأمر يتعلق بتسجيل البيانات يفتقد إلى النقطة التي مفادها أن الاكتشاف العلمي عملية نشطة ، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالسببية. تتمثل أكبر فرصة لدينا في المعرفة السببية في حقيقة أننا قادرون على التفاعل مع العالم من حولنا. نحن جزء منه: رابطة سببية واحدة وواسعة يمكن أن يكون لها تأثير علينا وعلى أدوات التسجيل الخاصة بنا، و نحن نؤثر عليها، فترى النشاط الحاصل و التداخل الحاصل بين اكتشافنا للشيء و تغيرنا له و تلاعبنا ب"إعداداته" لنتأكد من صحة زعمنا.
فمن هنا نفهم ان احد اهداف السببية هو الإتيان بتفسير معين causal explanation، فنأخذ هذه المعلومات و نبدأ بالتلاعب بها و معرفة أكثر بخصوص العوامل السببية المفسرة للظاهرة.
فالقدرة على التلاعب بالمتغيرات لها فعالية مزدوجة، اولا اكتشاف السبب، ثانيا احداث تغير لنتأكد من النظرية.
فما نتعلمه هنا هو ان احدى طرق اكتشاف السببية هي التلاعب بالمتغيرات.

إرسال تعليق